صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
327
شرح أصول الكافي
الشرح أثبت تعالى في هذا الحديث حكمين ظاهرهما متناقض وباطنهما متوافق ، فان الحكم الأول اثبات القدرة والاختيار للمكلّف والحكم الثاني اثبات الجبر والاضطرار له ، وقد علمت صحتهما جميعا وعلمت أن الخير والشر والنفع والضر والسعادة والشقاوة كلها منه تعالى وبإرادته لكن أحد الطرفين بالذات والاخر بالعرض ، وعلمت أن سبحانه فاعل كل موجود بلا واسطة وبواسطة الا الصادر الأول فانّه بلا واسطة . فقد قال الشيخ محى الدين العربي في الباب التاسع عشر وثلاث مائة من كتابه : ان رافع الأسباب سيئ الأدب مع الله ومن عزل من ولاة « 1 » الله فقد أساء الأدب وكذب في عزل ذلك الوالي ، فانظر ما اجهل من كفر بالأسباب وقال بتركها ؟ ومن ترك ما قرّره الحق فهو منازع لا عبدا وجاهل لا عالم وانى أعظك يا ولى أن تكون من الجاهلين « 2 » ، وأراك في الحس تكذب نفسك في ترك الأسباب ، فانّى أراك في وقت حديثك معي في تركها ورميها يأخذك العطش فتترك كلامي وتجرى إلى الماء فتشرب منه لتدفع بذلك ألم العطش ، وكذلك إذا جعت تناولت الخبز وعاينتك ان لا تتناوله بيدك كي تجعل في فيك ، فإذا حصلت في فمك مضغته وابتلعته فما اسرع ما اكذبت به نفسك بين يدي . وكذلك إذا أردت ان تنظر إلى افتقرت « 3 » إلى فتح عينيك فهل فتحها الا بسبب ؟ فكيف تنفى الأسباب بالأسباب ؟ أترضى لنفسك بهذه الجهالة ؟ فالاديب الإلهي العالم من أثبت ما اثبته الله في الموضع الّذي اثبته وعلى الوجه الّذي اثبته ، ثم تكذب نفسك في عبادة ربك « 4 » ، أليست عبادتك سببا في سعادتك وأنت تقول بترك الأسباب ، فلم لا تقطع العمل ؟ أرأيت « 5 » أحدا من رسول ولا نبيّ ولا ولى ولا مؤمن ولا كافر ولا شقى ولا سعيد خرج قط من رق الأسباب مطلقا أدناها التنفس ، فيا تارك
--> ( 1 ) . ولاه « الفتوحات » ( 2 ) . الجاهلين الغافلين « الفتوحات » ( 3 ) . ان تنظر افتقرت « الفتوحات » ( 4 ) . عبادتك « الفتوحات » ( 5 ) . فما رأيت « الفتوحات »